السيد كمال الحيدري
54
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
وكيفما كان فقد كان القرآن « غير مفروق الآيات ثمّ فرّق ونزّل تنزيلًا وأوحي نجوماً . وليس المراد بذلك أنّه كان مجموعَ الآيات مرتّبَ السور على الحال الذي هو عليه الآن عندنا كتاباً مؤلّفاً مجموعاً بين الدفّتين مثلًا ، ثمّ فرّق وأُنزل على النبيّ صلّى الله عليه وآله نجوماً ليقرأه على الناس على مكث ، كما يفرّقه المعلّم المقرئ منّا قطعات ثم يعلّمه ويقرّيه متعلّمه كلّ يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه ، وذلك أنّ بين إنزال القرآن نجوماً على النبيّ صلّى الله عليه وآله وبين إلقائه قطعة قطعة على المتعلّم فرقاً بيّناً ، وهو دخالة أسباب النزول في نزول الآية على النبيّ صلّى الله عليه وآله ، ولا شيء من ذلك ولا ما يشبهه في تعلّم المتعلِّم . فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلّم في أزمنة مختلفة يمكن أن تجمع ويضمّ بعضها إلى بعض في زمان واحد ، ولا يمكن أن تجمع أمثال قوله سبحانه : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ « 1 » ، وقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ « 2 » ، وقوله : قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها « 3 » وقوله : خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صَدَقَةً « 4 » ونحو ذلك ، فيلغى سبب النزول وزمانها ثمّ يفرض نزولها في أوّل البعثة أو في آخر زمان حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله . فالمراد بالقرآن في قوله : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ غير القرآن بمعنى الآيات المؤلّفة » « 5 » .
--> ( 1 ) المائدة : 13 . ( 2 ) التوبة : 123 . ( 3 ) المجادلة : 1 . ( 4 ) التوبة : 103 . ( 5 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 3 ص 54 .